الشيخ محمد هادي معرفة
199
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وبذلك كان يستعيض عمّا فاته من العلم أيّام حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لصغره ، باستطراق أبواب العلماء من صحابته الكبار . قيل لطاووس : لزمْتَ هذا الغلام - يعني ابن عبّاس لكونه أصغر الصحابة يومذاك - وتركْتَ الأكابر من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال : إنّي رأيت سبعين رجلًا من أصحاب رسول اللّه ، إذا تدارؤوا في أمر ، صاروا إلى قول ابن عبّاس . وعن عبيد اللّه بن عليّ بن أبي رافع ، قال : كان ابن عبّاس يأتي جَدّي أبا رافع ، فيسأله عمّا صنع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يوم كذا ، ومعه من يكتب له ما يقول . قال مسروق بن الأجدع : كنت إذا رأيت ابن عبّاس قلت : أجمل الناس ، فإذا نطق قلت : أفصح الناس ، فإذا تحدّث قلت : أعلم الناس . وقال أبو بكرة : قدم علينا ابن عبّاس البصرة ، وما في العرب مثله حشما ، وعلما ، وثيابا ، وجمالًا ، وكمالًا . وقد لُقّب حِبر الامّة ، والبحر ؛ لكثرة علمه ، وترجمان القرآن ، وربّانيّ هذه الامّة ؛ لاضطلاعه بمعاني القرآن ووجوه السنّة والأحكام . وله مواقف مشهودة مع أمير المؤمنين عليه السلام في جميع حروبه : صفّين ، والجمل ، والنهروان . مات بالطائف سنة ( 68 ه . ) وقد ناهز السبعين ، وصلّى عليه محمّد بن الحنفيّة « 1 » . روى أبو عمرو محمّد بن عمر بن عبد العزيز الكشّيّ بإسناده إلى عبد اللّه بن عبد ياليل - رجل من أهل الطائف - قال : أتينا ابن عبّاس رحمه الله نعوده في مرضه الذي مات فيه ، فأُغمي عليه فأُخرج إلى صحن الدار ، فأفاق ، وقال كلمته الأخيرة : إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أنبأني أنّي سأهجر هجرتين : فهجرة مع رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، وهجرة مع عليّ عليه السلام . وأمرني أن أبرأ من خمسة : من الناكثين : وهم أصحاب الجمل ، ومن القاسطين : وهم أصحاب الشام ، ومن
--> ( 1 ) - . الإصابة ، ج 2 ، ص 330 - 334 ، رقم 4781 ؛ أُسد الغابة ، ج 3 ، ص 192 - 195 .